أخبار عاجلة
الرئيسية / أدب وثقافة / وحيد القرشي يكتب “جدتي شهرزاد”

وحيد القرشي يكتب “جدتي شهرزاد”

قصة الاسبوع “زينب”

 

الساعة الان السادسة صباحا ,أقوم لاجهز ملابسي ,اليوم سوف أذهب الي المدرسة, فالحمد والشكرلله قد شفيت تماما ,واصبحت معافي وعلي ما يرام ,جدتي شهرزاد دائما تقول لي ابتسم للحياة يا وحيد وخذ الامور الصعاب بتروي, وتوكل علي الله في كل وقت وحين ,ابتسم ولا تقلق وأترك كل شئ لتدبير خالق السموات والارض , سيؤتيك الله سؤلك، وسيقضي حاجتك، وسيفرج همك، وسيرفع كربك، وسيكشف عنك غمك، وسيجلب لك ما تمنيته، فقط ثق به و توكل عليه في كل وقت وحين .

أيام معدودة لازمت فيها الفراش في مرضي ,علمتني اشياء كثيرة وجعلتني اترك اموري كله لله ,ان أفعل ما بوسعي وأستطاعتي دون تقصير واتوكل عليه نعم المولي ونعم الوكيل,أشتقت الي اصدقائي احمد وحسين ومحمد وكل زملائي في الفصل والمدرسة والي أساتذتي ,أشتقت لهم واتمني أن أراهم اليوم ,وبعد العودة من المدرسة سوف أذهب مع جدتي شهرزاد لزيارة جدتي سعدة ,تعيش في قرية ميت القرشي منذ زمن بعيد ,تلك القرية بعيدة عن قريتنا بمسافات قليلة ,جدتي سعدة هي اخت جدتي شهرزاد تشبهها تماما وحكيمة وعقلانية ايضا ,أحبها واحب الجلوس معها بالساعات ,واعشق حديثها وكلامها ,دائما تحفذني للاجتهاد والتعلم ,وتقول ان العلم نور ,فالعلم هو سلاحك الوحيد يا وحيد لتسعد به وترتقي وتصبح شخصا لك كيان وقيمة ,اجتهد واجتهد واصبر وتعلم يا وحيد ,هناك أناس تحدثهم عن الألم, فيحدثونك عن الأمل,تحدثهم عن الوجع يحدثونك عن الصبر والتوكل علي الله,يعطونك دفعات روحانية وهبات ربانية وحب لما هو أتي ,وعدم التوقف في مواجهة الحياة بكل ما فيها, هؤلاء هم من نحتاجهم بالقرب منا دائما,وجدتي سعدة من هولاء.

الساعات القليلة التي قضيتها اليوم في المدرسة كانت جميلة وممتعة ,ألتقيت بأصدقائي وأساتذتي وحالة من الاشتياق والحميمية تجمعنا ,كل شئ نمر به في حياتنا سيأتي عليه يوم ليكون ذكرة لنا ,نفكر فيها ونشتاق اليها ونتمني تكررها مرة اخري ,حتي الاشياء المؤلمة والمحزنة في حياتنا تظل هي الاخري ذكرة باقية ودرسا من دورس الحياة لن ننساه طيلة حياتنا ,من أصعب المشاعر التي تسبب الألم والحزن لقلوبنا هي اشتياقنا لأشخاص وأماكن لها مكانة مميزة في نفوسنا، مهما حاولنا نسيانهم ,او بعدنا عنهم لظروف نمر بها , إلا أن حبهم بداخلنا يمنعنا ان ننساهم ,او لا نفكر فيهم مطلقا ، فحنينا لهم لا يمكن أن يختفي وينتهي لأنهم رسموا بداخلنا المعنى الحقيقي للحب والصداقة، ورسموا معنى الوفاء والصدق، رسموا بداخلنا حيا لانفسنا بحبهم والقرب منهم ,تعلمنا منهم واستفدنا منهم ,وسنظل نذكرهم ونتذكرهم طيلة حياتنا ,ليأتي بعدنا من يتذكرهم بذكرانا لانهم موجودين فينا ومترابطين بنا ,فهم بالنسبة لنا حياة ,‏الدنيا تدور ثم تعود وتقف عند كل واحد منا ,تعطيه ما تعطي وما كتب له ,وتأخذ منه ما كتب عليه,وتحرمه مما لم يكتب له وقد يتمناه , لتفعل بك ما فعلته بغيرك,وهكذا علي مر العصور والازمنة , تذكر ذلك جيداً، يا من تفرح وتسعد غيرك,ان الله سيسعدك ولن يتركك ابدا ,تذكر ايضا يا من تؤلم غيرك ,ان له رب كريم قادر ان يؤلمك ويأخذ حقه منك ,لن تنسي ان له رب وتمضي كأنك لم تفعل شيئاً,علينا دائما التوكل علي الله في كل وقت وحين

-هل رجعت من المدرسة يا وحيد
-نعم يا جدتي
-استعد لنذهب لزيارة جدتك سعدة
-حاضر يا جدتي ,وانا في أشتياق لرؤيتها والحديث معها
-وهي تحبك كثيرا يا وحيد

دقائق معدودة ,وسوف نصل لبيت جدتي سعدة ,تعيش لوحدها منذ زمن بعيد,زوجت أبنائها الاولاد والبنات وهما يسكنون بالقرب منها ,ويأتون لزيارتها كل يوم ,هي لم تكتفي بذلك فقد جعلت زينب بنت ابنتها الكبيرة تعيش معها لتؤنسها وتفعل امور البيت ,جدتي شهرزاد تحبها كثيرا فهي اختها الكبيرة وتعتبرها بمثابة والدتها ,تزورها كل اسبوع وتداوم علي ذلك ولم تنسي وتتأخر في مرة ,حتي وقت مرضها تتذكر ميعاد زيارتها ,وايضا جدتي سعدة تزورنا بين الحين والاخر,ورغم انها قليلة الزيارة لكبر سنها ,الا انها لم تفارقنا لحظة واحدة لما تملكه من حنان وحب للجميع ,وكلمات جميلة ومعبرة تسعد القلوب ,كلمات تخرج بحنان من القلب والي القلب, فنحن نحتاج لتلك الكلمات ,وهي لم تبخل كجدتي شهرزاد ان تسعدنا وتزودنا بها ,في الزيارة الاخيرة قالت لي هذه الكلمات الجميلة “يا وحيد كم انت جميل يا بني ,اعلم جيدا كما تسعد أنت بكلمة جميلة وتحب ان تقال لك وتسمعها ,فـغيرك أيضاً يحتاج لها ، فلا تبخل بها ، وكما تؤذيك كلمة وتؤلمك ، فـغيرك أيضاً يتأذى ويتألم بسببها , فاحفظ لسانك واجعله ناطقا بكل ما هو مفيد وسليم ,عوده علي ذكر الله والتسبيح والصلاة علي الرسول عليه الصلاة والسلام,عوده علي قراءة القران وتدبره,اجعل من وقتك حياة لك ولغيرك,حياة راقية واعية يتمني الجميع ان تكون حياته او يكون مثلك ,لا تضيع وقتك بوجودك مع أشخاص لا يقدرون ما تفعله لأجلهم, ولا تتمسك بأصدقاء تعتقد بأنك تقدر على تغيير معتقداتهم عنك,ابتعد عن صديق السوء والمصلحة ,قبل ان يتركك بعد ان يستفاد منك ,اجعل الاحترام طريقك ومنهجك ولا تحيد عنه مطلقا , فالاحترام المتبادل هو سمة العلاقات الناجحة ، والصداقات الدائمة,اجعل لسانك ناطقا بالصدق في معظم اوقاتك ,ولا تغيره حسب الظروف وما تهواه الانفس ,اجعله عادلا صادقا ولا تتغير ابدا ,لتسعد ويرتاح عقلك وقلبك وترضي ربك يا وحيد ,وذلك الاهم من كل شئ .

وصلنا الي بيت جدتي سعدة ,وجو من العناق والاحتضان بين الاختين ,هم لم يفترقا ويحتلفا في يوما من الايام ,كل امورهم عقلانية وبحكمة وتروي ,مهما كبر كل منهم ,ولم يعدوا يعيشوا في بيت واحد وتجمعهم مائدة واحدة وسرير واحد ,ومهما تواجه كل منهم صعوبات واوجاع في حياته ومهما كانت لكلٍ منهم اهتماماتها الخاصة، يبقى داخلهم ترابط قوي لا يمكن أن يفرقه أحد، ولا يمكن التغاضي عنه، فهو من أجمل العلاقات وانقي الحب والالتقاء , الأخت الكبيرة هذة الإنسانة التي تعتبر جزءاً من الروح، و قطعة من القلب، وهي البسمة والنبض، هي الحياة بالنسبة لاخواتها

-كيف حالك يا وحيد,اشتقت لك كثيرا يا بني
-الحمدلله يا جدتي سعدة ,انا بخير واشتاق اليك كثيرا وللحديث معكي
-حبيبي يا وحيد تعجبني دائما كلماتك الواعية ,بعد الغداء سوف نجلس لنتسامر ونتحاور ونتحدث في كل شئ,الان ادخل وساعد زينب في تجهيز المائدة
-لا يا سعدة سوف اقوم بتجهيزها
-اجلسي بجواري يا شهرزاد,اشتقت اليك كثيرا,دعيهم يتعلموا ويعتمدوا علي انفسهم ,قد قامت علياء ابنتي بطهي الطعام ,ودخلت حجرتي لتستريح بعض الوقت,كل ما عليهم تجهيز المائدة فقط
-حاضر يا حبيبتي واختي الغالية ,احبك كثيرا
-اريد الحديث معك عن علياء ابنتي,جاءت لزيارتي حزينة بائسة,وانتي تعلمين انها انجبت طفلتها الثانية منذ شهر تقريبا,ومنذ ذلك وهي تعيش في خلافات وحورات في بيتها
-لماذا الخلافات والحورات ,ومع من تلك الحورات
-مع زوجها ووالدته ,يعيرونها ويشمتون فيها لأنجابها طفلة اخري
-سبحان الله ,ومن الخالق ومن الرازق غير الله,وما ذنب علياء في ذلك الامر
-جدتي سعدة جدتي شهرزاد ,المائدة جاهزة ,تعالوا لنتغدأ معا ,نحن في انتظاركم
-حاضر يا زينب ,قومي يا شهرزاد ,وبعد الغداء نجلس لنتحدث في امر علياء

أحب لمة الاسرة وتجمعنا علي مائدة واحدة ,جدتي شهرزاد دائما تنصحني وتقول لي,مهما كبرت يا وحيد ,حافظ علي تلك الاشياء الجميلة ولا تهملها ابدا ,ولا تجعل الدنيا تسرقها منك, حافظ علي لحظة الصفاء مع ربك ولا تفقدها ابدا ، والبر مع والديك وداوم علي ذلك ,وقبل أيديهم في كل وقت ,وعندما تحزن وتشعر بالضيق ,وتحتاج للبكاء ومن يخفف عنك ,لن تجد سوي حضن امك ليحتويك ويخفف ما بك من ألم ووجع ,وعندما تحتاج لصديق وونيس ومن يرشدك للصحيح ,لن تجد غير والدك معينا لك وحاميك يا بني ، حافظ ايضا علي الحب لعائلتك والتجمع والالتقاء بهما ،وعلي الإحسان والبر لمن حولك ، والإخلاص والاتقان في عملك,والتوكل علي الله في كل وقت وحين,لا تنسي هذه الامور يا وحيد….أنتهينا من وجبة الغداء ,وجدتي سعدة وجدتي شهرزاد أخذا جانبا في حجرة الجلوس ,يتحدثون في اشياء خاصة بهما ,ورغم انني اشتاق للحديث مع جدتي سعدة ,سوف اتركهم بعض الوقت وادخل حجرة زينب لمراجعة بعض دروسي والحديث معها ,هي في سني وفي سنتي الدراسية

-كيف حالك يا زينب في المدرسة
-الحمدلله ,نجحت في امتحانات الشهر وحصلت علي المركز الاول بتفوق كالمعتاد
-اعتقد انك مغرورة يا زينب ,دائما تذكرين نجاحك بالتفوق وتتعالي
-هذا ليس غرور يا وحيد ,انت ما يمتلك الغرور ,دائما تعاندني وتقول ذلك ,وعندما اسالك عن حالك في الامتحانات ,تقول لي ,انك الاول ولن يستطيع احد غيرك ان يكون ذلك ,اذن من المغرور
-ليس غرور ,انه ثق بالنفس
-سوف احدث جدتي سعدة وجدتي شهرزاد في ذلك الامر
-اضحكتيني يا زينب ,أنني امزح معكي ,فانا احب العناد و الحديث معكي
-وانا كذلك يا وحيد,تعالي لنذاكر ونتناقش بعض الوقت
-علي الرحب والسعة يا زينب

الوقت أخذنا ومرت الساعات دون ان ندري ,اللعب والحديث مع زينب جميلا وممتعا ومحببا لي,ايضا جدتي شهرزاد لم تناديني للجلوس والحديث مع جدتي سعدة,اذن لديهم امرا هام مشغولين به,اعتقد ان الحديث خاص بخالتي علياء,فقد رأيت في وجهها الحزن والأسئ وقلة النوم والتفكير في شئ ما

-الجو يمطر يا وحيد
-ماذا تقولي يا زينب ,الشمس كانت ساطعة والجو جميل ومعتدل وقت المجئ أليكم
-أنظر من شرفة البيت ,وسوف تشاهد أمطارا تسقط من السماء,والشارع تحول الي بركة من الطين العالق علي الأسفلت من كثرة المشي والسرعة عليه
-فعلا يا زينب ,سأخبر جدتي شهرزاد بذلك
– جدتي شهرزاد
-مالك يا وحيد,تعالي اجلس معانا
-الجو يمطر ,والشوارع أمتلئت بالمياه والطين ,ماذا نفعل
– المطر رزق وبركة من السماء يا وحيد ,فلا تحزن سنبيت الليلة مع جدتك سعدة
-حاضر يا جدتي

بعد ساعات قليلة ,أنقطع المطر وأختفئ ,وهدئ الجو وأستكان ,وعادت الحياة علي طبيعتها ,لكنا الشوارع ما زالت ممتلئة بالطين العالق علي الاسفلت منذ فترة,كم انا سعيد بهذه الليلة الجميلة المستفاد منها كثيرا , السعادة الحقيقية هي الحصول على الكثير من الحب ومشاركة الاخرين في ذلك ،هي العناية والرعاية والعائلة المتماسكة المترابطة المجتمعة دائما ,فالاسرة هي المكان الدافئ الذي نلجئ اليه حينما نتعب ونغرق في متاهات الحياة وبحر الدنيا العميق , ولا يوجد أجمل من جو العائلة حين يجلسون مع بعضهم البعض ويتحدثون ويمرحون،هذه اللحظات المتكررة كثيرا ويوميا ,علامة علي الحب والحميمية بين افراد العائلة ,المطر جعلنا نلتقي ونجلس حول بعضنا البعض ,في حب وود ورحمة ,ما اجمل هذه اللحظة, جدتي شهرزاد وجدتي سعدة وخالتي علياء واطفالها ,وانا وزينب ,تجمعنا حجرة واحدة نتسامر ونتحاور ونضحك ونأكل ونشرب ,لم أري مثل ذلك واتمني ان يتكرر ذلك ولا ينتهي .

-بعد الحديث وسماع جدتكم سعدة عن خالتكم علياء وخلافاتها مع زوجها ووالدته ,بسبب أنجابها طفلة اخري بنت وليس ولد ,سوف احكي لكم قصة الليلة عن فضل أنجاب البنت وانها هبة ورزق من الله, فقد قال صل الله عليه وسلم “ما من رجل تدرك له ابنتان فيحسن إليهما، ما صحبتاه أو صحبهما، إلا أدخلتاه الجنة” رواه ابن ماجه وحسنه الألباني”
-صدق رسول الله صل الله عليه وسلم ,أحسنت يا شهرزاد,لكن قلة الايمان وعدم التوكل علي الله تفعل اكثر من ذلك
-نعم يا سعدة ,التوكل علي الله في كل وقت وحين سر النجاح والسعادة ,استمعوا لي وانصتوا جيدا,لهذه القصة المؤثرة لما فيها من دروس وعبر,تزوج شاب وفتاة بعد علاقة حب عميقة وحميمية ,كان يحب بعضهم البعض كثيرا,وبعد سنة تقريبا من الزواج أنجبت طفلة جميلة ,أحبها الجميع ,ولكن نبرة صوت والدته وطريقة حديثها تغيرت قليلا ,وبدئت تتحدث مع الفتاة عن الولد وانه عزوة لوالده وسوف يحمل اسمه في المستقبل وانها تتمني ان تنجب أولادا كثر ,وشعرت الفتاة من نبرتها أنها حزينة من أنجاب الطفلة ,وأنها كانت تريدها ولدا ,ومع الايام وتكرار ذلك المشهد وايضا نظرة زوجها لها تغيرت بعض الشئ,جعلت هذة الفتاة تشعر بالحزن والأسئ وكتمت ذلك بداخلها,وتمر السنوات وتحمل مرة أخري ,أصبحت قلقلة ومرتبكة وفرحة ايضا,كانت خايفة ان تنجب طفلة أخري ,لما رأتها من اسرة زوجها في الحمل الاول وانجاب طفلة ,وتمر الشهور ,وتأتي لحظة الولادة ,وتدخل غرفة العمليات لأجراء عملية الولادة ,وبعد ساعات أخرجوها من غرفة العمليات,زوجها كان ينتظر في الخارج أعصابه مشدودة ومتوترة ومرتبك ,ينظر يمينا ويسرا ,وعندما رأها خرجت من غرفة العمليات ,أرتاح بعض الشئ ,ثم خرجت الممرضة بالمولود الجديد, نسي نفسه و زوجته و العالم بأسره, ركض إليها مسرعاً ليسألها عن المولود

– بماذا رزقني الله
– بنت
نظر أليها بحزن شديد ,و تيارات قاسية متلاحمة تخرج من جوفه تمر بحلقه و تخترق رأسه ناطقا إنها جميلة جداً
ثم دخل حجرة الزوجة وجلس بجوارها وتحدث معها بعض الوقت ,ثم قالت له زوجته ” سوف نسميها زينب علي أسم بنت رسول الله صل الله عليه وسلم , نظر إليها متألما ,ثم نظر ألي طفلته الجميلة”,وشفاها الطرية تتحرك و كأنها تريد أن تبتسم لوالدها ,لكن عيونه كانت تتحدث” لماذا أتيتِي ,ولماذا حظي دائما بنت , لم أريدك أنتِي ,فلقد رزقت بطفلة قبلك , كم انتظرت هذا المولود بشغف وأشتياق لعله ان يكون ولد ويبهج البيت ويعلو بنا .

يا الله يا من خلقت وصورت ووهبت كيفما تشاء ,ولا راد لقضائك وحكمك , أيسبغ علينا سبحانه وتعالي نعمه التي لا تعدي ولا تحصي ثم نتذمر ونحزن بدلا ان نحمد ونشكر,سبحانك يارب يا خالق السموات والارض من عدم .
نظر الي زوجته ,ونظرت أليه قائلة ” ألم ترأها إنها جميلة جدا وتشبهك كثيرا ,لم يرد بسوي “الحمدلله علي سلامتك”,أمتلئت عين الام بالدموع ,فقد فهمت ما يدور بداخل عقل زوجها,ثم ضمت أبنتها ,ونظرت اليها بعمق وحزن ,ثم أرضعتها من لبنها جرعات زائدة من الحب والحنان ,لتعوضها ما تفقده من حنان الاب

مرت الايام وكبرت زينب وأحلوت ,ووالدها غير مهتم بها , غافل عن لحظات السعادة التي تغمر الوالدين عندما يراقبان حركات و سكنات أبنائهم ,اليوم لغة وتعلم ,و غداً تحبو وتتحرك, و بعدها تمشي وتنطق, و هكذا تمر بها الايام امام عين والديها لتكبر وتعمر الكون ,عيناها الخضراء الجميلتان تلمعان و تسحران كل من يراهما بصفائهما و بريقهما,وجمالهم ,وتمر السنوات وتكبر زينب وتصل الي عامها الثالث ,وكل شئ يكبر فيها ويزداد جمالا وحسنا ,وفي يوما من الايام , كان والدها يجلس على الأريكة ينظر أليها ويراقبها ,فأمسكت الكرة ورمتها اليه ,ارتطمت الكرة برجله و لم ينتبه ولم يهتم بذلك ,ركضت نحو الكرة و رمتها إليه مرة أخرى أيضاً لم ينتبه ولم يهتم وكأنها غير موجودة بجواره , صعدت على الأريكة قبلت يده و وضعتها على وجهها لكنه لم يتحرك ولم يفرح بها ,نظرت إليه فإذا هو نائم , وضعت رأسها على حضنه ونسيت نفسها , و هي تمرر يدها على يده ,كانت تداعبه وتلعب معه ,و هكذا حتى نامت هي الأخرى, دخلت الأم فوجدت الاثنين نائمين معا, تفاجأت من ذلك و امتلأت عيناها بالدموع فرحاً.
عندما استيقظ الأب قبل زينب على رأسها قبلة سريعة و مضى إلى عمله,و لأول مرة منذ أن ولدت أخذ يفكر ماذا سيجلب لها و هو عائد إلى المنزل, ثم قرر ان يشتري لها علبة من المصاصات المسكرة , وأنها سوف تفرح بذلك ,وعندما عاد الي البيت في المساء ,فتحت له زوجته وهي في ثياب الخروج ,سألها ألي اين انتي ذاهبة في مثل هذا الوقت

– والدتي مريضة ،وذهبوا بها الي المستشفي وسوف أذهب لأرأها ولن أتاخر
– سوف أوصلك بالسيارة وأبقي معكي لأطمن عليها
– لا ، اجلس أنت مع زينب , ولن أتاخر ,أختي وزوجها في انتظاري أمام المنزل
– السلامة لوالدك ولكم جميعا

ذهبت الام وتركت ابنتها زينب مع والدها وحدهما في المنزل لأول مرة ، غير ملابسه و دخل إلى غرفة الجلوس,كانت زينب تجلس على الأرض و تداعب دميتها،نظرت اليه بأبتسامة رقيقة وكأنها تطلب منه ان يداعبها ويلعب معها ,نظر اليها قائلا”أتعرفين ماذا أشتريت لك يا زينب ,أبتسمت ونظرت اليه ,ثم أعطاها المصاصات ,أحتضنتها وفرحت بها ,وكادت ان تجن بها ,وبدئت في محاولة فتح واحدة ,فلم تستطيع ,امسك واحدة وفتحها ,ثم وضعها في فمها ,ولأول مرة يفعل ذلك مع طفلته الصغيرة ,ثم نظر لنفسه وفكر” لماذا حرمت نفسي منها طيلة هذه الفترة,لماذا هذا التفكير الخاطئ من الاساس ,لماذا كل هذا”,ثم جلس الي اريكته يشاهد التلفاز,ويتابعها وينظر اليها بين الحين والاخر وكأنه يراها لأول مرة ,ثم شعر بالتعب وأصفرار في الوجه ,وبدء التعب يزداد ,وصورة أبنته زينب امامه أهتزت ولم يعد يرأها كطبيعته ,ثم شعر بأختناق وضيق في الصدر ,ذهب الي النافذة محاولا فتحها ,لم يستطع,حركته كانت متوقفة ومشلولة ,بدء العرق البارد يزداد بغزارة ’وقلبه ينبض بسرعة ، و أطرافه باردة ، حاول الوقوف يريد طلب المساعدة ، وقع على الأرض قبل أن تصل يده إلى الهاتف ، لم يعد يرى شيئا ً، حتى قدرته على الكلام أصبحت مشلولة ، الظلام يملأ رأسه,عرف أنه الموت ، صار يحاول أن يذكر الله بلسانه عله يغفر له لكن لسانه لم يستجب,وحاول ان ينطق الشهادة فلم يستطع ,إنه يشعر بحركة بجواره ,انها زينب طفلته ,زحفت زينب نحوه, يداها ترتجفان و عيناها تبكيان لا تعرف ماذا ستفعل,وماذا حدث لوالدها والذي سقط فجاءة علي الارض,ثم أخرجت المصاصة من فمها ,ووضعتها في فم والدها ,وأخذها البكاء ,ثم نمت بجوار والدها ,بدء يمتص المصاصة في فمه ,وبدأت علامات الارتياح تظهر عليه ,وبدء يأخذ نفسه قليلا ويحرك جسده , ثم عادت زوجته بعد زمن قليل فوجدته ملقى على الأرض، طلبت بسرعة وعجل الطبيب ,والذي أمر بسرعة أخذه للمستشفي وعمل الفحوصات اللازمة ،وبعد ان عوفي مما فيه,نظر اليه الطبيب قائلا” لقد أُصِبت بانخفاض حاد في السكر ، و كدت ان تفقد حياتك ، و لكن هذه المصاصة المصنوعة من السكر هي التي أنقذتك ,أخذ يبكي كولدٍ صغير, استغرب الطبيب و انسحب لا يدري لما كل هذا البكاء,وبعد ان عادوا الي منزلهم ,حملت الأم طفلتها زينب ذاهبة الي غرفة نومها , فناداها: أم زينب
لأول مرة يناديها بذلك ,ويذكر اسمها , استدارت نحوه ,قائلة له:ماذا تريد

– أريد زينب
– إنها نائمة
– أريد أن أقبلها وألعب معها
– إنها نائمة ، قد توقظها
– تعالي إلي يا حبيبتي

بكت الام من ذلك الموقف المحبب لها والذي كان لا بد ان يكون منذ ولادة زينب,ولكنا الامور تغيرت كثيرا وكانت عكس المعتاد والمتوقع , ضما زوجته وهي حاملة ابنتها و قال لها: سامحيني أرجوكِ ان تسامحيني, فقد أخطأت في حقك وحق ابنتي ,ثم رفع نظره الي سقف الغرفة طالبا من الله المغفرة والحمد والشكر علي ما أعطاه.

أنتهت قصة الليلة ,وتذكروا دائما قول الله تعالي : “لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ {42/49} أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ”الشورى:50:49 ,الله المعطي بحكمة وقدر وعلينا الايمان بذلك بيقين ودون تردد انه نعم المولي ونعم الوكيل

عن صدى الصعيد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وحيد القرشي يكتب “جدتي شهرزاد”

قصة الاسبوع “جبر الخواطر” اليوم أجازة مدرسية بمناسبة الاحتفال بمولد الرسول عليه الصلاة والسلام ,وتلك ...

Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
%d مدونون معجبون بهذه: